سيد محمد طنطاوي
57
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما قاله إبراهيم للملائكة ، بعد أن اطمأن إليهم ، فقال : * ( قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ ) * . والخطب : مصدر خطب يخطب ، ومنه قولهم : هذا خطب يسير ، وخطب جلل ، وجمعه خطوب ، وخصه بعضهم بما له خطر من الأمور . وأصله الأمر العظيم الذي يكثر فيه التخاطب ويخطب له . أي : قال إبراهيم - عليه السلام - للملائكة على سبيل الاستيضاح بالتفصيل عن سبب مجيئهم : فما شأنكم الخطير الذي من أجله جئتم إلينا سوى هذه البشارة . وكأنه قد فهم أن مجيئهم إليه ليس لمجرد البشارة ، بل من وراء البشارة أمر آخر جاؤوا من أجله . وهنا بادره الملائكة بقولهم - كما حكى القرآن عنهم - * ( قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ) * . أي : قالوا له إنا أرسلنا - بأمر اللَّه - تعالى - إلى قوم شأنهم الإجرام ، ودأبهم الفجور ، والمراد بهم قوم لوط - عليه السلام - وكانوا يسكنون مدينة « سدوم » بمنطقة وادي الأردن وقوله * ( إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ ) * استثناء من القوم المجرمين الذين أرسل الملائكة لإهلاكهم . والمراد بآل لوط : أتباعه الذين آمنوا به وصدقوه . ولم يشاركوا قومهم في كفرهم وشذوذهم . أي : إنا أرسلنا إلى قوم لوط لإهلاكهم ، إلا من آمن منهم فإنا لمنجوهم أجمعين . وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال : فإن قلت : قوله - تعالى - * ( إِلَّا آلَ لُوطٍ ) * استثناء متصل أم منقطع ؟ قلت : لا يخلو من أن يكون استثناء من قوم فيكون منقطعا ، لأن القوم موصوفون بالإجرام فاختلف لذلك الجنسان ، وأن يكون استثناء من الضمير في * ( مُجْرِمِينَ ) * فيكون متصلا ، كأنه قيل : قد أرسلنا إلى قوم قد أجرموا كلهم إلا آل لوط وحدهم ، كما قال : فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ . فإن قلت : فهل يختلف المعنى لاختلاف الاستثناءين ؟ قلت : نعم ، وذلك أن آل لوط مخرجون في المنقطع من حكم الإرسال ، وعلى أنهم أرسلوا إلى القوم المجرمين خاصة ، ولم يرسلوا إلى آل لوط أصلا . . . كأنه قيل : إنا أهلكنا قوما مجرمين ، ولكن آل لوط أنجيناهم .